الشيخ المحمودي
458
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
322 ومن خطبة له عليه السّلام لمّا بلغه إغارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار ، وقتله أشرس بن حسّان البكري رحمه اللّه « 1 » وجماعة من المؤمنين إبراهيم بن محمّد الثقفي رحمه اللّه بإسناده عن محمّد بن محنف ، إنّ سفيان ابن عوف ، لمّا أغار على الأنبار قدم علج من أهلها « 2 » على عليّ [ أمير المؤمنين عليه السّلام ] فأخبره الخبر ، فصعد [ أمير المؤمنين عليه السّلام ] المنبر فقال : أيّها النّاس إنّ أخاكم البكريّ قد أصيب بالأنبار وهو مغترّ « 3 » لا يظنّ ما كان ، فاختار ما عند اللّه على الدّنيا ، فانتدبوا إليهم حتّى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم « 4 » عن العراق أبدا ما بقوا .
--> ( 1 ) كذا ورد في هذه الرواية ، ومثله في رواية البلاذري في أنساب الأشراف ، وفي أكثر الروايات : « حسان بن حسان البكري » . وهما إيجابيّان ومثبتان لا تنافي بينهما ، ولعلّه في أول الأمر بلغه عليه السّلام قتل أشرس ، ثمّ بلغه قتل حسّان ، أو قتلهما . ( 2 ) العلج - كحبر - : الرجل الضخم من كفار العجم ، وبعض العرب يطلق العلج على الكافر مطلقا والجمع : علوج وأعلاج . كذا ذكره الفيّومي في المصباح . ( 3 ) أي كان مغترّا بالهدنة والأمنية ولأجله لم يحتط بإذكاء العيون والمراقبة عن تهاجم العدوّ . ( 4 ) فانتدبوا إليهم : فتوجهوا وسيروا إليهم . وطرفا أي قسما وطائفة منهم . وأنكلتموهم عن العراق : دفعتموهم وصرفتموهم عنه ، أي لأجل إصابتكم وقتلكم طائفة منهم . وقد أشار الحاكم النيسابوري إلى هذه الخطبة في ترجمة سفيان بن عوف من المستدرك ج 3 ص 446 ، ورواه عنه ابن حجر في ترجمته من الإصابة ج 2 ص 56 . وإجمال القصة على ما رواه الثقفي في كتاب الغارات وغيره : قال : قال أبو الكنود : حدّثني سفيان بن عوف قال : دعاني معاوية فقال : إني باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلادة فالزم جانب الفرات حتّى تمر بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم وإلّا فامض حتّى تغير على الأنبار ، فإن لم تجد بها جندا فامض حتّى توغل في المدائن ثمّ أقبل إليّ واتق أن تقرب الكوفة ، واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة ، إنّ هذه الغارات على أهل العراق ترعب قلوبهم ، وتفرح كلّ من له فينا هوى منهم ، وتدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر ! فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك ، وأخرب كلّ ما مررت به من القرى ، واحرب الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب ! قال سفيان : فخرجت من عنده فعسكرت فما مرّت عليّ ثالثة حتّى خرجت في ستة آلاف ، ثمّ لزمت شاطئ الفرات حتّى مررت بهيت ثمّ بصندوداء ثمّ هجمت على ابن البكري صاحب مسلحة الأنبار . . . قال الثقفي في الغارات : عن عبد اللّه بن قيس عن حبيب بن عفيف قال : كنت مع أشرس بن حسّان البكري بالأنبار على مسلحتها إذ صبّحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها فهالونا واللّه وعلمنا إذ رأيناهم أنّه ليس لنا بهم طاقة ولا يد ، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا ! وأيم اللّه لقد قاتلناهم فأحسنّا قتالهم حتّى كرهونا ثمّ نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى : « فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » ثمّ قال لنا : من لا يريد لقاء اللّه ولا يطيب نفسا بالموت فليخرج من القرية ما دمنا نقاتلهم فإنّ قتالنا إيّاهم شاغل لهم عن طلب هارب ، ومن أراد ما عند اللّه فإنّ ما عند اللّه خير للأبرار ! ثمّ نزل في ثلاثين فهممت بالنزول معه ثمّ أبت نفسي واستقدم هو وأصحابه فقاتلوا حتّى قتلوا وانصرفنا نحن منهزمين .